أبي نعيم الأصبهاني
87
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
المتقنة من السماء والأرض ، وما بث بينهما من خلقه دلائل ناطقة وشواهد واضحة أن الذي دبرها عظيم قدره ، نافذ مشيئته ، عزيز في سلطانه . وأشد الأشياء للقلب عن التشاغل بالدنيا الكمد من بعد الحزن وأبعث الأشياء على سخاء النفوس بترك الشهوات الشوق إلى لقاء العزيز الكبير . وأشد الأشياء إزالة للمكابدات في علو الدرجات في منازل العبادات لزوم القلب محبة الرحمن . وأنعم الأشياء لقلوب العابدين وأدومها لها سرورا الشوق إلى قرب اللّه ، واستماع كلامه ، والنظر إلى وجهه . وأظهرها لقلوب المريدين التوبة النصوح منهم للعرض على رب العالمين ، فتلك طهارة المتقين ، ومن بعدها طهارة المحبين ، وهو قطع الأشغال لكل شيء من الدنيا عن محبوبهم فإذا طهرت القلوب من كل شيء سوى اللّه خلا من ذكر كل قاطع عن اللّه ، وزال عنه كل حاجب يحجب عنه ، فتم باللّه سروره ، وصفا ذكره في قلبه ، واستنار له سبيل الاعتبار ، فكانت الدنيا وأهلها عينا ينظر بها إلى ما سترته الحجب من الملكوت ، فحينئذ دام باللّه شغله ، وطال إليه حنينه ، وقرت باللّه عينه ، فالحزن والكمد قد أشغلا قلبه ، والمحبة والشوق قد أشخصا إلى اللّه فؤاده ، فشوقه إلى طلب القرب ، والحزن أن يحال بينه وبينه . * أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد - في كتابه قبل أن لقيته - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن عبد اللّه بن ميمون قال قلت للحارث بن أسد : ما المزهود من أجله ؟ قال : الذي تجانب الدنيا من أجله خمسة أشياء أحدها أنها مفتنة مشغلة للقلوب عنه ، والثانية أنها تنقص غدا من درجات من ركن إليها فلا يكون له من الدرجات كمن زهد فيها . والثالثة أن تركها قربة وعلو عنده في درجات الجنة . والرابعة الحبس في القيامة وطول الوقوف والسؤال عن شكر النعيم بها ، وفي واحدة من هذه الخصال ما يبعث المريد اللبيب على رفضها ، ليشترى بها خيرا منها . والخامسة أعظم ما رفضوا من أجله موافقة الرب في محبته أن يصغروا ما صغر اللّه ، ويقللوا ما قلل اللّه ، ويبغضوا ما أبغض اللّه ، ويرفضوا ما أحب اللّه رفضه ، لو لم ينقصهم من ذلك